الأربعاء، 4 يناير 2012

تعدد المصاحف واختلافها


أعلم أنك الآن تتساءل ماذا تعني بتعدد المصاحف، وقد تقول: ليس لدينا نحن المسلمين سوى مصحف واحد، فمن أين أتيت بأنه كان هناك عدد كبير من المصاحف، فهل تقصد أنها نسخٌ من هذا المصحف الواحد؟

الواقع أن التعتيم الذي فرضه القائمون على شئون الدين الإسلامي أخفى الكثير من الحقائق التي كان ينبغي أن يعرفها كل مسلم عن دينه.

أما بخصوص المصاحف المتعددة والمختلفة فقد جاء "بموجز دائرة المعارف الإسلامية" (ج26 ص 8175) "كان النص القرآني الذي اعتمده عثمان بن عفان رضي الله عنه مجرد نص واحد بين نصوص أخرى وجدت خلال القرون الأربعة الأول للهجرة ... "  وأضافت: "وثمة مصاحف أخرى ارتبطت بعدد من الصحابة يقال أنها انتعشت في الكوفة والبصرة والشام".

وأنقل لك ما ذكرته عن المراجع المختلف التي وضحت بالتفصيل عن اختلاف المصاحف" فتقول في (ج26 ص 8176): "تتحدث المصادر عن قراءات مختلفة بل وتتحدث عن اختلاف المصاحف فقد عدَّ ابن النديم عناوين أحد عشر عملا في هذا المجال وهو إختلاف المصاحف، منها:

1ـ اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق لابن عامر اليحصبي [المتوفي 118هـ / 736م]

2ـ وكتاب اختلاف مصاحف أهل المدينة والكوفة وأهل البصرة للكسائي [توفى 189 هـ / 805م]

3ـ وكتاب اختلاف أهل الكوفة والبصرة والشام في المصاحف لأبي زكريا الفراء [توفى 207 هـ / 822م]

4ـ وكتاب اختلاف المصاحف وجامع القراءات للمدائني [توفى 231 هـ / 845م]

5ـ7 بالإضافة إلى ثلاثة كتب تحمل جميعا عنوان: المصاحف لابن أبي داود السجستاني [المتوفي 316 هـ /928م]

8ـ وابن الأنباري [المتوفي 328 هـ / 939م]

9ـ وابن أشته الأصفهاني [المتوفي 360 هـ / 970م]

10ـ والمختصر الذي ألفه ابن خالويه [المتوفي 370 هـ / 979م]

11ـ والمحتسب لابن جني [المتوفي 392 هـ / 1002م]

ماذا قالت هذه المراجع عن الاختلافات بين المصاحف؟

إليك ما جاء في موجز دائرة المعارف الإسلامية (ج26 ص 8176):

"إن الكتاب الموجز ـ المسمى ـ [المصاحف] ... الذي ألفه ابن أبي داود المحدث الشهير [أي أبو داود أحد جامعي كتب الحديث النبوي الستة الصحاح ـ وهو الساجستاني] ... فيضم: بضعة آلاف اختلاف (البضع: من الثلاثة إلى التسعة [قاموس المعجم الوسيط ج 1 ص 60]) جمعها المؤلف من أكثر من ثلاثين مصدرا".
وتضيف دائرة المعارف الإسلامية (ج26 ص 8180) إختلافات أكثر في نسخ أخرى إذ تقول: "... هناك اختلافات أخرى في القراءات منسوبة لعدد من مسلمي الجيل الثاني كالأسود بن يزيد وعلقمة وحطان .. وغيرهم .."
وتقول أيضا "نسبت اختلافات أكثر لمصاحف أخرى ثانوية وكانت أكثر من الاختلافات المنسوبة للمصاحف الأساسية .."
وتفيد التعليقات التي أوردها الطبري [المتوفي 311 هـ / 923م] عن الاختلافات في (الآية 106 في سورة المؤمنون) "قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين" إن النص القرآني لم يكن ثابتاً على أيامه.

وقد ذكرت دائرة المعارف الإسلامية التفصيل عن هذه الاختلافات، فقد جاء في (ج26 ص 8177):

معظم ما تردده المصادر متعلق بالاختلافات ... بين:

1ـ مصحف ابن مسعود الذي كان شائعاً في الكوفة.

2ـ ومصحف أُبيِّ الذي كان شائعاً في الشام.

3ـ ومصحف أبي موسى الذي كان شائعا في البصرة.

وذكرت أن هذه القراءات أو المصاحف بدأت بالفعل زمن النبي:

1ـ فعبد الله بن مسعود [توفى سنة 33 هـ /653م] الذي كان رفيقاً لرسول الله في حله وترحاله والذي كان من أوائل من فسروا القرآن، يقال أنه سمع سبعين سورة مباشرة من النبي، وكان من أوائل من دخلوا في الإسلام، ومن العشرة المبشرين بالجنة، وكان من كتاب الوحي، وكان إماماً في الفقه والحديث ... وقد رفض عبد الله ين مسعود تنفيذ أوامر عثمان بن عفان رضي الله عنه بإتلاف مصحفه.

2ـ أما أبيُّ بن كعب [المتوفي 18 هـ / 639م أو 29 هـ / 649م) فقد ... بايع رسول الله، وشهد بدراً والغزوات كلها .. وأصبح من كتاب الوحي، وكان أحد فقهاء الصحابة ... وكان يفتي في عهد الرسول ... واشترك في جمع القرآن على عهد الرسول ... وكان مصحف أُبيَّ في بعض الأحيان يذكر بدلاً من مصحف حفصة.

3ـ أما أبو موسى عبد الله الأشعري [توفى سنة 42 هـ / 662م] كان يمنياُ .. وكان مصحفه مقبولاً في البصرة ... وطلب من أتباعه عند وصول مندوب عثمان بن عفان حاملاً منه النسخة المعتمدة من القرآن، ألا يحذفوا من مصحفه شيئاً (أي من مصحف أبي موسى) حتى لو لم يجدوه في مصحف عثمان، أما ما يجدوه في مصحف عثمان ولم يجدوه في مصحفه (مصحف أبي موسى) فليضيفوه. لذا ... كان مصحف أبي موسى الأشعري ضخماً وأنه يحتوي على السورتين الزائدتين في مصحف أبيِّ، بالإضافة لآيات أخرى غير موجودة في المصاحف الأخرى.

كم عدد المصاحف التي كانت موجودة؟

إليك ما ذكرته في (ج26 ص 8179)

بالإضافة لهذه المصاحف الثلاثة التي كتبها:
1ـ عبد الله بن مسعود
2ـ أبيُّ بن كعب
3ـ أبو موسى عبد الله الأشعري

هناك مصاحف منسوبة إلى إثنى عشر صحابياً:
4ـ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب                    
5ـ والخليفة الرابع علي بن أبي طالب،                      
6ـ وثلاثة منها لزوجات النبي: حفصة بنت عمر،            
7ـ وعائشة بنت أبي بكر،                           
8ـ وأم سلمة،                                              
9ـ وأربعة منها تختلف..أهل المدينة المنورة: زيد بن ثابت   
10ـ وعبد الله بن عباس،                            
11ـ وأنس بن مالك،                                       
12ـ وعبد الله بن الزبير،                            
13ـ بالإضافة إلى ثلاثة أخرى لكل من: سالم مولى أبي حذيفة،     
14ـ وعبد الله ابن عمرو بن العاص.   
15ـ مصحف عبيد بن عمير الليثي
      
وقد أضاف أبو داود السجستاني في كتابه (المصحف ص 50ـ 91)
16ـ مصحف عطاء بن أبي رباح.                          
17ـ مصحف عكرمة.                                     
18ـ مصحف مجاهد                                       
19ـ مصحف سعيد بن جبير                                
20ـ مصحف الأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس النخعيين.    
21ـ مصحف محمد بن أبي موسى شامي             
22ـ مصحف حطان بن عبد الله الرقاشي البصري           
23ـ مصحف صالح بن كيسان                       
24ـ مصحف طلحة بن مصرف الأيامي              
25ـ مصحف سليمان بن مهران الأعمش

وقد أضاف أيضا أبو داود السجستاني في كتابه (المصاحف ص 5) إثنين آخرين من الصحابة:
26ـ مصحف أبو زيد                                      
27ـ ومصحف معاز بن جبل
                                 
هذا بالإضافة إلى:
28ـ السور التي دونت في عهد محمد على الرقوق والجلد والعظم ...
29ـ مصحف أبو بكر الصديق (الذي جمعه له يزيد بن ثابت)
30ـ مصحف عثمان بن عفان (المصحف الإمام)
31ـ مصحف الحجاج بن يوسف الثقفي (بالعراق)

~ فيكون مجموع المصاحف المختلفة بعضها عن بعض (31) مصحفاً.

أين ذهبت كل هذه المصاحف؟

تقول الموسوعة العربية الميسرة نشر دار القلم المصرية (ص 1187) "... قام عثمان بن عفان بإحراق المصاحف كلها ما عدا المصحف الذي أمر بتعميمه"

~ هل تعلم ذلك يا أخي المسلم ويا أختي المسلمة ؟ أم أنكم تتساءلون لماذا تحرق بقية المصاحف وقد كتبها صحابة موثوق بهم؟ ألا يشكك هذا في مصداقية المصحف؟
~ كيف يبني المسلم إيمانه في دين على غير يقينية مصادره، وبالأخص المرجع الرئيسي للدين وهو المصحف؟

هذه كلها تساؤلات تفرض نفسها على عقولنا، لذلك أرجو منك أن تبحث بنفسك عن الحقيقة

ماذا عن اختلافات النص القرآني نفسه؟

جاء في (دائرة المعارف الإسلامية ج26 ص 8186 ع 1و2) تحت عنوان: (النص المعتمد والقراءات المعتمدة) ما يلي: "من الأفضل أن نتحدث عن النص القرآني المعروف بمصحف عثمان .. لقد كانت هناك اختلافات منذ البداية في نسخ عثمان [اختلافات إملائية، وهجائية]
وتضيف الدائرة: يوجد عدد من الاختلافات الإملائية في مصاحف عثمان بالمدينة المنورة ودمشق والبَصرة والكوفة ومكة كما وردت في (كتاب الُمْقنع لأبي عمرو الداني، وكتب أخرى)" (دائرة المعارف الإسلامية ج26 ص 8186 ع 1و2)

أمثلة لهذه الاختلافات بين هذه النسخ

في (دائرة المعارف الإسلامية ص8186و 8187) قالت: "على سبيل المثال:

* سورة آل عمران 184:
نسخة دمشق: "وبالزبر وبالكتاب"
النسخة العثمانية: "الزبر والكتاب" [بدون الباء]

* سورة غافر 21:
ـ نسخة دمشق: منكُم
ـ النسخة العثمانية: منهم

* سورة يس 35:
ـ نسخة الكوفة: عَمِلَتْ
ـ عَمِلَتْهُ [بإضافة الهاء]

* سورة غافر 26:
ـ نسخة الكوفة: أو أن
ـ النسخة العثمانية: وأن [بإلغاء أو]

ما هو سر هذه الاختلافات؟

ـ تقول الموسوعة عن ذلك في (ص 8187 العمود الثاني): "قد تكون عدم دقة الناسخين"

~ ونحن نقول أين الآية القرآنية "نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"؟

ـ وتضيف (دائرة المعارف الإسلامية) قائلة: "لقد كانت حروف الهجاء العربية بما اعتراها من القصور في ذلك الوقت هي التي استخدمت في كتابة نسخ القرآن الأولى مما أدى إلى ظهور اختلافات في القراءات وفي صلب النص"
وتستكمل الدائرة الإسلامية توضيح الأمر قائلة: "ففي خلال القرن الهجري الأول كانت العربية تكتب بما يمكن أن نسميه الحروف الناقصة، حيث كانت تستخدم الحروف الصامتة غير المتحركة [أي بدون تنقيط أو تشكيل]، كما كان الرسم الواحد يستخدم للدلالة عل صوتين [أي حرفين] فالرسم أو الحرف "د" كان ينطق "دالاً وذالاً"، والرسم "ح" كان ينطق حاء وخاء وجيماً، والرسم "ر" كان ينطق راء وزاياً، والرسم "ب" كان ينطق باء وتاء وثاء وياء، فلم يكن هناك إعجام [نقط] على الحروف العربية التي تميز بين أصوات الحروف ذات الرسم الواحد، وعلى القارئ أن يميز بين هذه الحروف وفقاً للسياق"

ألم تنشأ مشاكل بلغة القرآن بناء على ذلك؟

ـ تذكر موسوعة دائرة المعارف الإسلامية ذلك في (ص 8187و 8188) قائلة:
"وحتى في حالة الاتفاق على نطق الحروف الصامتة، فإن مشكلة أخرى تظل قائمة، فبعض الأفعال يمكن أن تقرأ بصيغة المبني للمعلوم، كما يمكن أن تقرأ في الوقت نفسه بصيغة المبني للمجهول.
"كما أن بعض الأسماء يمكن أن تضم نهايتها أو تفتح أو تكسر، [أي اختلاف الإعراب]"
كما أن بعض الأسماء يمكن أن تقرأ على أنها أفعال أو العكس.
"وقد جمعت أمثلة عديدة من الاختلافات التي نشأت عن طريق الكتابة بما سميناه بالحروف الناقصة، غير المعجمة المشكلة وغير المنقوطة"

الاختلاف على المعنى

الواقع أن الموسوعة الإسلامية قد أكدت تأثير ذلك على الاختلاف في المعنى (ص8188 العامود الأول) إذ قالت: "في معظم الحالات كان المعنى يتأثر"
وذكرت الدائرة الإسلامية عدة أمثلة على ذلك في (ص 8188 العامود الأول)
وذكر الساجستاني في كتابه المصاحف أمثلة لا حصر لها (في باب اختلاف مصاحف الأمصار [في نسخ مصحف عثمان] ص 39ـ ص/49، وباب اختلاف مصاحف الصحابة ص 50 ـ ص 77)

الاختلاف في الإعراب؟

هذا بالفعل ما ذكرته في (دائرة المعارف الإسلامية ص 8188 في السطور الأخيرة من آخر العمود الأول) إذ قالت:

* "وفي بعض الأحيان كان الاختلاف في إعراب أواخر الكلمات"

تطور مشكلة الاختلافات هذه

قالت دائرة المعارف الإسلامية في (ص8188 العمود الثاني وما بعده من صفحات)

1) "في الفترة الأموية (41 ـ 132 هـ [661 ـ 750م]) تقول: 

ـ "زادت الاختلافات في القراءات في مصحف عثمان شيئاً فشيئاً.

ـ وظهرت قراءات جديدة تشتمل على مزاوجة بين مصحف عثمان، ومصحف ابن مسعود ومصحف أُبيّ.

2) وفي العصر العباسي: تقول الدائرة الإسلامية في (ص 8188 العامود الثاني)

ـ "كان هناك مثل هذه الاختلافات في القراءات بحيث أصبح من المحال التمييز بين القراءة المعتمدة لمصحف عثمان والقراءات الأخرى".

ـ وتواصل الموسوعة الإسلامية فتقول: "إلا أنه باستخدام الحروف العربية الواضحة المعجمة والمنقوطة دخل شيء من الإنضباط على هذه القراءات"

ـ وتستدرك الموسوعة الإسلامية وتقول: "ولكن لا يعول عليها لما فيها من تناقض لعدم توافقها مع الشواهد التي يقدمها لنا علم تطور الخط"

3) وفي القرن الرابع: (تواصل دائرة المعارف الإسلامية في ص 8189 العامود الثاني) قائلة:

ـ أصبحت الاختلافات في القراءات معلنة وواضحة.
                         
ـ وتضيف قائلة: وأدى هذا إلى نزاعات حادة حول أي القراءات أصح؟؟؟؟

~ ونحن بدورنا نتساءل أين هو القرآن الصحيح الأساسي؟؟؟ أين هو؟؟؟ ارشدونا إليه أيها العلماء الأفاضل!!!!

التغييرات التي أجراها الحجاج بن يوسف الثقفي

كان الحجاج بن يوسف الثقفي والياً على العراق في العصر الأموي (74 ـ 95 هـ [693ـ714م])
وتقول (الموسوعة العربية الميسرة ص 690) "لما كثر الخطأ في قراءة القرآن عهد إلى نصر بن عاصم ضبطه"
ويقول أبو داود الساجستاني في كتابه (المصاحف ص 49) "غير الحجاج بن يوسف في مصحف عثمان أحد عشر حرفاً" وذكرها بالتفصيل.

تعليقي على هذه الإختلافات الكثيرة في القرآن كما هو ثابت من المراجع

في الواقع إن كلام (دائرة المعارف الإسلامية) حول كل هذه الاختلافات في القرآن هذا فجّر في عقلي عدة تساؤلات جوهرية:

~ كيف تحدث هذه الاختلافات في القرآن وهو الذي يقول "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون؟ فتساؤلي هو: أين صحة هذا الكلام؟ ونرجو من أولي العلم أن يفيدونا.

~ في هذه المتاهة الكبرى نتساءل أي من هذه المصاحف هو القرآن الحق الذي تلاه محمد؟

~  أين هو قرآن محمد؟ الذي كان مكتوباً على الجلود، والأخشاب، والعظام، والأحجار والجريد، والنسيج (الموسوعة العربية الميسرة ص1373) (مع الوعد إنا له لحافظون) ؟ هل هو في مصحف عثمان؟ أم أحد المصاحف التي حرقها عثمان؟ أم هو في مصحف ابن مسعود؟ أم في مصحف أبيَّ بن كعب؟ أم في مصحف الحجاج بن يوسف الثقفي؟ فليوضحوا لنا حضرات العلماء الأفاضل بالدليل العلمي والمنطقي السليم. إنها مجرد تساؤلات.

~ ثم إذا قارنا كل هذه الاختلافات مع ما جاء في (سورة النساء 82) "لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" ما هي النتيجة على ضوء ذلك؟ الآية القرآنية تؤكد أنه إن وجدت اختلافات كثيرة، كان ذلك دليلاً على أنه ليس من عند الله؟

أنا لا أجيب على هذا التساؤل بل دعني أسألك، هل تهمك حياتك الإبدية؟ إذا فتش الكتب وادرس الدين الذي تعتنقه لأنك مسؤول عن اختيارك!

عموماً نحن جميعا ننتظر إجابات منطقية تقبلها عقول البشر حتى نتبين الحق من الباطل وينقذونا من دوامة التناقضات.

تناقض بين الآيات القرآنية بخصوص صلب المسيح

1) التناقض بين سورة النساء وغيرها من آيات القرآن

ورد في "سورة النساء آية157 "وقولهم (يقصد اليهود) إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. وما صلبوه ولكن شبه لهم… [إلى قوله] وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما"

الواقع أن هذه الآية تتعارض مع بقية الآيات الأخرى التي تكلمت عن موت المسيح منها:

1ـ سورة آل عمران (55): "مكروا (أي اليهود) ومكر الله والله خير الماكرين. إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة".

ـ فمن هذه الآية يتضح أن المسيح قد توفي قبل أن يرفع للسماء.

2ـ سورة مريم (33): "والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا"

ـ ومن هذه الآية يتضح أن المسيح مات قبل أن يبعث حيا.

3ـ سورة المائدة (117): "فلما توفيتني كنت أنت الرقيبَ عليهم وأنت على كل شيء شهيد"

ـ من هذا أيضا يتضح أن المسيح توفي على أيدي اليهود وكان الله رقيبا عليهم.

~  ماذا يقول المفسرون بخصوص هذا التعارض؟
   الواقع أن المفسرين لهم عدة آراء مختلفة نورد بعضا منها فيما يلي:


الرأي الأول: أن هذه الآية تنفي قتل المسيح وصلبه

وللرد على هذا الرأي نقول:

* أولاً:  رغم أن هذه الآية في ظاهرها تنفي قتل المسيح وصلبه ولكنها لم تنف موته، فلم تقل الآية عن المسيح "ما أماتوه" بل "ما صلبوه" ولم تقل "وما أماتوه يقينا" بل "وما قتلوه يقينا" أما سورة آل عمران فتقول "إني متوفيك" وسورة مريم تقول "يوم أموت" وسورة المائدة تقول "ولما توفيتني" فهذه الآيات مجتمعة تؤكد وفاته أو موته. كما ثبت ذلك من تفسير الرازي والسيوطي وغيرهما الذين فسروا الوفاة أنها الموت (انظر تفسير الرازي جزء2 ص457 / وكتاب الإتقان جزء1 ص116)

* ثانيا:  والواقع أنه سواء صلب المسيح وقتل أو مجرد مات، فالحقيقة واحدة في جوهرها أن المسيح مات عن خطايانا كما يقول الكتاب المقدس (1كو15: 3)، فليست القضية في التعبير بل في جوهر الموضوع ذاته.

* ثالثا: علما بأن قتل النبيين بغير حق هو خطية اليهود الشنعاء بحسب شهادة القرآن نفسه في سورة البقرة (61) "… كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق"
  إذن فآية (157) من سورة النساء وإن كانت في ظاهرها تنفي القتل والصلب ولكنه لم تنف موت المسيح الذي شهدت به آيات: سورة آل عمران وسورة مريم وسورة المائدة.

   كما أن هناك فريق آخر من المفسرين لهم رأي آخر هو:

الرأي الثاني: أن آية سورة النساء (157) تكذب ما أشاعه اليهود بأنهم قتلوا المسيح

نقول لهؤلاء العلماء الأفاضل أن موت المسيح ليس كذبةً أشاعها اليهود حتى يكذبها القرآن، بل على العكس فإنه يشهد أن اليهود هم قتلة الأنبياء كما في:

أولا: سورة آل عمران (112) "… ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق …"

ـ وربما كان قصد القرآن أن ينفي القضاء على المسيح بقتلهم إياه إذ يقول في:

ثانيا: سورة آل عمران(169) "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل هم أحياء عند ربهم يرزقون"

ـ إذن فالآية لا تكذب ما أشاعه اليهود بأنهم قتلوا المسيح، بل تنفي فكرة أنهم قضوا عليه "وما قتلوه يقينا". والدليل على ذلك أن الآية الكريمة لم تتضمن النصارى مع اليهود في نصها، وكذلك لم ترد بالقرآن الكريم أية آيــة تنفي ما يقوله المسيحيين عن أن المسيح قد صلب فعلا.

الرأي الثالث: أن آية النساء هذه تنسخ بقية آيات وفاة المسيح

ومعنى كلمة تنسخ أي تلغي. فكأن آية سورة النساء بحسب رأيهم قد ألغت الآيات الأخرى الخاصة بوفاة المسيح أو موته.

وللرد على هذا الرأي نقول:

أولا: بصرف النظر عن أن مبدأ الناسخ والمنسوخ غير موجود في المسيحية ولكنه مبدأ مقبول في القرآن بحسب ما جاء في: سورة البقرة (106): "وما ننسخ من آية أو ننسها، نأتي بأحسن منها أو مثلها" (راجع موضوع الناسخ والمنسوخ)

ولكن دعنا نعلق على كلام هذه الآية:

1ـ يندهش البعض كيف أن الله يغير كلامه؟ علما بأن هناك آيات قرآنية أخرى تقول "لا تبديل لكلمات الله" (سورة يونس 64)، وأيضا "لا مبدل لكلمات الله" (سورة الأنعام 34).

2ـ وآخرون قالوا كيف أن الله يجعل الرسول ينسى كلامه؟ وهو الأولى بأن يحفظه في صدره، فقد جاء في سورة العنكبوت (49) "بل هو آياتٌ بيناتٌ في صدور الذين أوتوا العلم" فكم يكون في صدر الرسول!!!

3ـ وقال آخرون كيف يمكن لكلام الله أن ينسخ أو يتغير وهو مكتوب في لوح محفوظ؟ كما جاء في سورة البروج (22) "بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ"

4ـ ثم كيف يأتي الله بأحسن منها؟ هل عند الله كلام حسن وكلام غير حسن، حتى تكون هناك مفاضلة بين حسن وأحسن؟

~ ما علينا من كل هذا الكلام فليس هذا موضوع بحثنا، ولكن ما أريد أن أوضحه هو:

ثانيا: أن مبدأ الناسخ والمنسوخ في القرآن لا يقع إلا في الأحكام التشريعية فقط، وليس على الأخبار التاريخية، فلا يستطيع أحد أن يلغي أحداث التاريخ الثابتة. فبحسب الآيات القرآنية الأخرى يتضح أن المسيح قد مات فعلا قبل أن يرتفع إلى السماء، كما هو واضح من:

1ـ سورة آل عمران (55): "مكروا (أي اليهود) ومكر الله والله خير الماكرين. إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"

ـ فمن هذه الآية يتضح أن المسيح قد توفي قبل أن يرفع للسماء.

2ـ سورة مريم (33): "والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا"

ـ ومن هذه الآية يتضح أن المسيح مات قبل أن يبعث حيا.

3ـ سورة المائدة (117): "فلما توفيتني كنت أنت الرقيبَ عليهم وأنت على كل شيء شهيد"

ـ من هذا أيضا يتضح أن المسيح توفي على أيدي اليهود وكان الله رقيبا عليهم.

ثالثا: ثم إن مبدأ الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم يفيد أن الآيات التي تأتي في الآخر تلغي الآيات السابقة لها، وليس العكس أي لا يصح أن الآيات القديمة تلغي الآيات التي أتت بعدها.

ـ ولو نظرنا إلى سورة النساء التي تقول (وما صلبوه وما قتلوه) نجد أنها قد أتت [سنة3 هجرية] أي قبل سورة المائدة [التي أتت سنة 10هجرية] (انظر تفسير القرآن للشيخ عبد الله يوسف علي بالإنجليزية ص125 و242) التي تقول "فلما توفيتني كنت أنت الرقيبَ عليهم وأنت على كل شيء شهيد"
ـ فبحسب مبدأ الناسخ والمنسوخ فإن الآية الواردة في سورة المائدة بخصوص موت المسيح تلغي الآية الواردة في سورة النساء، وبهذا يتأكد موت المسيح ويلغى أيُّ لبس بخصوص هذا الأمر.

كان هذا بخصوص الرد على الرأي القائل بأن آية سورة النساء وما صلبوه، وما قتلوه قد نسخت آيات الوفاة آل عمران ومريم، والمائدة.

ونأت الآن إلى بيت القصيد وهو:

2) التفسير الصحيح لآية سورة النساء (157)

ما هو التفسير السليم لهذه الآية القرآنية من سورة النساء (آية157) بخصوص قتل المسيح من عدمه؟:

"سورة النساء آية157 "وقولهم (يقصد اليهود) إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. وما صلبوه ولكن شبه لهم… [إلى قوله] وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما"

~ هل هناك فعلا تعارض بينها وبين بقية الآيات الدالة على موت المسيح؟

وللـرد على ذلك نقول:

أولا: لا يُقْبَل أن يكون في القرآن تعارض، ولهذا جاء في سورة النساء (81) "… ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا". ولكن التعارض هو في تفسير المفسرين الذين يفسرون الآيات بحسب وجهات نظرهم التي كثيرا ما تتباين وتختلف بعضها عن بعض.

ثانيا: إذن ينبغي أن نتفهم القرآن جيدا، كما يأمر القرآن نفسه بذلك إذ يقول في سورة النساء (81) "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"، ونفس هذا الكلام جاء أيضا في مواضع أخرى فارجع إلى سورة محمد (24)، وسورة المؤمنون (68)، وسورة ص (29).

ثالثا: لكي نتفهم هذه الآية ونتدبرها جيدا علينا أن نناقشها من عدة جوانب لندرك معناها ومقاصدها جيدا. والواقع أن هناك أربعة جوانب نستطيع من خلالها أن نبلغ مقصدنا:

* الجانب الأول: هو الجانب اللغوي

من الناحية اللغوية يفهم معنى شبه لهم الواردة بآية النساء (157) بمفهوم أنه قد ظنوا أنهم قتلوه وصلبوه وتخلصوا منه ومن رسالته إلى الأبد. وليس بمعنى أن الله قد ألقى شبهه على إنسان آخر كما سبق أن أوضحنا في لقاءاتنا السابقة. هذا ما أكده كل من:

(1) الإمام الزمخشري: الذي قال في تفسيره الشهير: (ما معنى قول القرآن "شبِّه لهم"؟ [شبه] مسند إلى ماذا؟ [أي يرجع إلى ماذا؟]

ـ إن جعلته مسند إلى المسيح؟ [أي إن رجعت الكلمة على المسيح؟] فالمسيح مشبه به وليس مشبه، (بمعنى آخر إن كانت الكلمة "شبِّه" تعود على المسيح فيكون السؤال هنا: بمن شبه المسيح؟؟ أي شبَهُ من وقع على المسيح؟؟ وبالتأكيد القرآن لا يريد أن يقول ذلك، بل يريد المفسرون الآخرين أن يقولوا عكس هذا المعنى وهو أن شبه المسيح هو الذي وقع على شخص آخر. فهل هذا صحيح في التركيب اللغوي لعبارة "شبه لهم" دعنا نصغي إلى ما قاله الزمخشري بخصوص ذلك) قال:

ـ وإن أسندته إلى المقتول. [أي إن جعلت عبارة "شُبِّه لهم" تعود على الشخص الذي قُتل بدل المسيح وهو ما ذهب إليه بعض المفسرين وهذا ما أكده الزمخشري بقوله] : لقد زعموا [أي زعم بعضُ المفسرين] أن اليهود قتلوا رجلا آخر شبيها بعيسى. [ويكمل الزمخشري قائلا:] فالمقتول لم يجر له ذكر [أي لم يسبق ذكره في الآية الكريمة].

ـ وخلص الإمام الزمخشري من ذلك إلى حقيقة هامة جدا أوضحت المعنى الحقيقي من الآية ، ونفت أن يكون في القرآن اختلاف أو تناقض إذ قال: عبارة "شبه" مسند إلى الجار والمجرور أي مسند إلى "لهم" كقولك "خيل لهم" …)

(2) الإمام الرازي: الذي علق على رأي المفسرين أصحاب فكرة أ، شبه المسيح ألقي على شخص آخر فقال:
في إلقاء شبه على الغير إشكالات:

الإشكال الأول: أنه إن جاز أن يقال أن الله تعالى يلقي شبه إنسان على إنسان آخر، فهذا يفتح باب السفسطة، وأيضا يفضي إلى القدح في التواتر (أي في المسلمات) ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات بالكلية.

الإشكال الثاني: أن الله أيده بروح القدس، جبريل، فهل عجز هنا عن تأييده؟ وهو الذي كان قادرا على إحياء الموتى، فهل عجز عن حماية نفسه؟

الإشكال الثالث: أنه تعالى كان قادرا على تخليصه برفعه إلى السماء، فما الفائدة بإلقاء شبهه على غيره؟ وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه؟

الإشكال الرابع: بإلقاء الشبه على غيره اعتقدوا (أي اليهود) أن هذا الغير هو عيسى، مع أنه ما كان عيسى، فهذا كان إلقاء لهم في الجهل والتلبيس (التمويه) وهذا لا يليق بحكمة الله.

الإشكال الخامس: أن النصارى واليهود على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة محبتهم للمسيح (وبغضة اليهود له) وغلوهم في أمره شاهدوه مقتولا ومصلوبا، فلو أنكرنا ذلك، كان طعنا فيما ثبت بالتواتر، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوة محمد وعيسى وسائر الأنبياء.

والإشكال السادس: ألا يقدر المشبوه به أن يدافع عن نفسه أنه ليس بعيسى؟ ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلف هذا المعنى. فلما لم يوجد شيء من ذلك علمنا أن الأمر ليس على ما ذكر أولئك المفسرون.

ـ هذا تحليل لنص الآية القرآنية بقلم إمامين عظيمين من أئمة تفسير القرآن. والنتيجة التي خلصوا إليها هي أن عبارة شبه لهم لا تعني أن شبه المسيح وقع على شخص آخر صلب بدل المسيح، بل أنه شبه لليهود أو خيل إليهم أنهم قضوا على المسيح نهائيا والواقع أنه بعدما مات على الصليب رفع إلى السماء وهو حي باق إلى الأبد.

~ كان هذا عن الجانب الأول لفهم الآية وهو الجانب اللغوي. ونأتي إلى الجانب الثاني وهو:

* الجانب الثاني: هو الجانب الموضوعي

ونقصد بالجانب الموضوعي هو: ما هو الموضوع الذي تريد هذه الآية أن تبرزه وتؤكده؟ هل أرادت هذه الآية إنكار الموت والصلب؟ أم أنها أرادت أن تنفي تبجح اليهود وتباهيهم بأنهم قضوا على المسيح وجعلوه معدوما تماما؟

بمقابلة آية سورة النساء التي تقول "وما قتلوه يقينا" مع سورة آل عمران (54و55) التي تقول "مكروا (أي اليهود)" ومكر الله والله خير الماكرين، يا عيسى ابن مريم إني متوفيك ورافعك إلي وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة" نرى ما يلي:

أولا: أن اليهود قد مكروا لقتل المسيح والقضاء عليه تماما.

ثانيا: أن الله أعظم منهم مكرا، فبعد أن قتلوه رفعه إليه.

ثالثا: إذن لا تعارض بين الآيتين، فسورة النساء لا تنفي القتل بل تنفي القضاء على المسيح نهائيا الأمر الذي تؤكده سورة آل عمران بأن الله رفعه إليه ليكون حيا خالدا في الآخرة. وبرفع المسيح إلى الله يتحقق قول سورة النساء أنهم لم يقتلوه يقينا، ولكنه خيل لهم ذلك، وهو ضرب من الظنون، وليس اليقين.

~ كان هذا عن الجانب الموضوعي، ونأتي إلى جانب آخر وهو:

* الجانب الثالث: هو جانب علم البلاغة والبيان

وعلم البلاغة في اللغة هو ببساطة: حسن البيان وقوة التأثير ومطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته.
وعلم البيان في اللغة هو أيضا ببساطة: المنطق الفصيح وإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة من تشبيه ومجاز وكناية. (المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية الجزء الأول ص70و80)

وكلنا يعلم أن القرآن هو كتاب البلاغة والبيان والفصاحة. ولهذا جاءت تعبيراته فوق مستوى الجهلاء وأنصاف المتعلمين. ولا يمكن فهم معانيه فهما جيدا إن لم يكن الإنسان ملما بمبادئ البلاغة والبيان والفصاحة.

فدعنا إذن نفحص آية سورة النساء من هذا لجانب البياني البلاغي الفصيح.

أولا: هناك قاعدة بلاغية تقول: أن في أسلوب المقابلة بين أمرين، يأتي أحدهما مسبوقا بأداة النفي (لا النافية) ليس لتنفي حدوث هذا الأمر، بل لتظهر عظمة الأمر الآخر. ولنعط لذلك بعض الأمثلة ثم نطبقها على آية النساء الكريمة.
ثانيا: (سفر التكوين 45: 8) يقول يوسف الصديق لأخوته "ليس أنتم أرسلتموني إلى هنا، بل الله" فهذا التعبير البلاغي لا يقصد أن ينكر أن إخوته باعوه إلى التجار الذين أتوا به إلى مصر، بل أراد أن يعظم عمل الله وخطته الحكيمة.

ثالثا: (هوشع9: 13) "إني أريد رحمة لا ذبيحة". فهل معنى هذا أن الله يلغي الذبيحة وهي قوام العبادة؟ كلا وإنما هو يعظم الرحمة مع إثبات الذبيحة.

~ تطبيقا على ذلك نقول أن آية النساء في مقارنتها بين القتل وبين رفع المسيح حيا في قولها "وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه"، فيعظم رفع المسيح حيا ولا ينفي فعل القتل. هذا هو الأسلوب البلاغي الفصيح.

رابعا:  كما أن هناك قاعدة بلاغية أخرى توضح الإثبات في صيغة النفي، تماما مثل أسلوب المدح في قالب ذم أو الذم في قالب مدح الذي نعرفه جيد. فالآية تقول "وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه" فالقرآن بهذا الأسلوب البلاغي يرد على تبجح اليهود بأنهم قضوا على المسيح تماما بأنه يؤكد لهم أنه بعدما مكروا هم بقتله مكر الله برفعه إليه فهو تأكيد لرفعه بعد أن قتلوه.

أخيرا نأتي إلى

* الجانب الرابع: هو الجانب المنطقي في التفسير

وفي تناولنا لهذا الجانب نوضح ما يلي:

أولا: وردت بالقرآن أربع آيات عن موت المسيح منها آية واحدة يقول البعض أنها تنفي موت المسيح، ويقومون يتفسير الآيات الأخرى على تفسيرهم لهذه الآية الواحدة

ثانيا: الواقع أن هناك قاعدة منطقية تقول لا يمكن تفسير الكل على أساس الجزء، بل على العكس يلزم تفسير الجزء على أساس الكل.

ثالثا: لهذا وجب أن تفسر آية النساء على أساس إجماع الآيات الأخرى في سورة مريم وآل عمران والمائدة التي توضح موت المسيح ورفعه إلى الله بعدها.

ختاماً

دعنا نلخص ما قلناه بخصوص ما يدعيه البعض من وجود تناقض بين سورة النساء وبقية السور القرآنية التي تحدثت عن موت المسيح في نقاط مختصرة فقد رأينا:

(1) أن سورة النساء لم تنف موت المسيح.

(2) أن هذه الآية نفت إشاعة اليهود بأنهم قضوا على المسيح تماما ولكنهم واهمون فقد رفعه الله إليه وهو حي خالد

(3) هذه الآية لم تنسخ الآيات التي تحدثت عن موته، وإنما إن أخذنا بمبدأ النسخ فتكون آية المائدة التي تتحدث عن موت المسيح هي التي نسخت الآية في سورة النساء لأنها أتت بعدها بسبع سنوات
  
(4) أن التفسير الصحيح لهذه الآية لغويا، وموضوعيا، وبلاغيا، ومنطقيا ثبت حقيقة صلب المسيح وموته ورفعه إلى الله.